الخميس، 24 أبريل 2014

حكم البر بالأم الكافرة

حكم البر بالأم الكافرة 
 السؤال  
  أنافتاةٌ مسلمة من أبٍ مسلم، وأم بروتستانتيّة، وقد طُلِّقَت والدتي قبلَ فترةٍ طويلة، فهل لي أن أبَرّها بالاتصال والزيارة وتقديم الهدايا، عِلماً بأنّ ذلك قد يكون سبباً في هدايتها إلى الإسلام، ولو بعدَ حين.

اســـــم المـفـــتــى أحمد نجيب
نص الفتوى  
الأخت المسلمة سلام الله عليك ورحمته وبركاته، وبعد إنّ الإسلام دين البرّ والصِلة ، و قد وصف الله تعالى عباده الصالحين بأنّهم ( يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَ يَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ ) [ الرعد : 21 ] . وأحق الناس بحُسن صحبة المرء و صلته أبواه ، ، لذلك قَرَن تعالى الإحسان إليهما بعبادته و توحيده في قوله : ( وَ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَ بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ) [ النساء : 36 ] . و قال سبحانه : ( وَ قَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَ بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَ قُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ) [ الإسراء : 23 ] . و حقّ الأمّ مقدّم في ذلك على حقّ الأب ، لما رواه الشيخان و غيرهماعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال : ( أمك ) ، قال : ثم من ؟ قال : ( ثم أمك ) ، قال : ثم من ؟ قال : ( ثم أمك ) ، قال : ثم من ؟ قال : ( ثم أبوك ) . و هذا الحديث مفسّر ، و المراد منه ظاهره ، و هو تقديم حقّ الأمّ على حقّ الأب عند تزاحم الحقوق ، أمّا عند الإنفراد فلكلٍّ حقّه من البرّ و الصلة و الإحسان . قال الحافظ ابن حجر : ( قال ابن بطال : مقتضاه أن يكون للأم ثلاثة أمثال ما للأب من البر ، قال : وكان ذلك لصعوبة الحمل ثم الوضع ثم الرضاع فهذه تنفرد بها الأم وتشقى بها ثم تشارك الأب في التربية ، وقد وقعت الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى ( وَ وَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَ فِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ) [ لقمان : 14 ] ، فسوَّى بينهما في الوصاية ، وخص الأم بالأمور الثلاثة ، قال القرطبي : المراد أن الأم تستحق على الولد الحظ الأوفر من البر ، و تقدَّم في ذلك على حق الأب عند المزاحمة ، وقال عياض : و ذهب الجمهور إلى أن الأم تفضل في البر على الأب ) [ فتح الباري : 10 : 402 ] . و ليس هذا خاصاً بالأبوين المسلمَين أو أحدِهِما ، بل يتعدّاه إلى من لم يُكرمه الله بالإسلام ، إذ إنّ الله تعالى لم ينهنا عمّن لم يحاربوننا من ( لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَ لَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَ تُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) [ الممتحنة : 8 ] . قُلتُ : إذا كان هذا في حق الكافر غير القريب ، فكيف بذي الرحم ؟! خاصّةً و قد ذهَب بعض أهل العلم إلى أنّ سبب نزول هذه الآية ما رواه الشيخان و غيرهما عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت : قدمتْ عليَّ أمِّي وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت : قدمتْ عليَّ أمِّي وهي راغبة أفأصِل أمي ؟ قال : ( نعم صِلِي أمَّك ) . قال الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث : ( و قال الخطابي : فيه أن الرحم الكافرة توصل من المال و نحوه ، كما تُوصَل المسلمة ، و يستنبط منه وجوب نفقة الأب الكافر و الأم الكافرة و إن كان الولد مسلماً ) . فصِلي أمّك ما استطعتِ بالاتصال أو الزيارة أو الإهداء أو غير ذلك من وجوه البرّ ، و سَلي الله لها الهداية و حسن الختام ، و تألفي قلبها قَدرَ المستطاع ، و تلطّفي في دعوتها إلى الإسلام ، علّ الله يجعل هدايتها على يدَيك ، و يجمعك بها في مستقرّ رحمته كما جمع بينكما في الدنيا ، و بالله التوفيق ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تذكر قول الله تعالي ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد